الخميس، 22 أغسطس 2019

خواطر ليلة خميس



ينتابني الخوف كلما هممت بعبور الشارع ..دائماً ما أتصور أنني سألقى حتفي بيد سائق مخمور أو سائقة ادعّت يوماً مهارتها في القيادة ثم أعبر أنا الطريق غارقة في عالمي لتنزعني هي عن الأسفلت فتجبرني على مغادرة هذا العالم قبل الأوان .. أنتفض اذا ما نظرت طويلا لشاشة هاتفي ثم أجد عابراً ما أمامي لم أره لأنني كنت أغيّر مقطع الموسيقى الذي أستمع إليه إيماناً بأن القاهرة محتملة فقط إذا كنت تمتلك المقطع المناسب. تستطيع الموسيقى حمايتك وإخفائك بداخل قوقعة تزداد صلابتها بقدر ارتفاع صوت سماعة هاتفك، تتمكن الموسيقى من دفع مخاوفي الكثيرة أثناء السير وحيدة في شوارع القاهرة المحروسة لكنها تفشل في انتزاغ خوفي من ظلي وترقبي اذا ما مر احدهم بجانبي.
النساء هنا يدعّين تناسي مواقف التحرش لكنها ترقد في مكان غامض في ذاكرة الجسد. ذلك الشعور بالوخز الذي يستمر لساعات بعد الحادثة، تلك السخونة الخانقة التي تجبرك على تذكر الإحساس بالعجز أمام موقف مفاجيء تم الاعتداء فيه على أكثر ما تمتلك خصوصيةً .لا يمكن وصف ندبة كهذا ولا أظن أن الشفاء منها بالأمر الهين.. حتى إن مثّلتِ القوة، تنهار دفاعاتِك إذا ما سمعتِ صوت قدمين قريبتين ولا تهدأ دقات قلبِك سوى بعد التأكد أن العابر ليس إلا امراة أو طفل صغير أو رجل لم يمتلك الجرأة بعد على اختراق ملكية جسدكِ!
ليالي الخميس دوماً ما تشعرني بالوحدة والحنين لا أدري لماذا؟ أتساءل: ألهذا السبب تعمّد المذياع إقامة حفلات أم كلثوم كل خميس في زمن ماضٍ كان الحنين فيه شيء يمكن احتماله؟ أم أن الروتين الذي ينكسر -ولو جزئياً - بظهور يوم الاجازة على خارطة الأسبوع كيوم مليء بالاحتمالات يدفع بالقلب إلى هذا المكان الهاديء الذي لا يستطيع الولوج إليه خلال أيام الاسبوع العادية؟
أتساءل منذ فترة عن مفاهيم عدة مثل مفهوم البيت. أصل إلى أن البيت هو المكان الذي أتمكن فيه من الكتابة دون أن يتلصص أحدهم على ما أكتبه، البيت هو المكان الذي يهدأ أنين القلب فيه فيشعر باتساعه، أم أن البيت هو المكان الذي تنساب فيه الموسيقى دون حواجز أو كلمات؟ أم أنك كنتَ أنت البيت عندما سرنا سوياً ذات ليلة لم أدر خلالها هل شعرت بالامان لغياب الخطر أم أن وجودك أنساني وجود الخطر؟

يقولون أن شرط المحبة الجسارة..ما شرط الشعور بالأمان؟

تخترقني جملة (واعمل ايه واحنا في غربة والاغراب دولا زي يتامى) فيعصف بي الشعور باليتم على حين غرة وأتذكر نحيب أم كلثوم وهي تستنجد بحبيبها في (والعمل ايه العمل ماتقولي أعمل ايه؟) ثم تتعلل بأمل لا اعلم أهي من اختلقه أم تمكن حبيبها من اسباغ الامان عليها فجعلها تستنتج إلى أنه (والامل انت الامل)، فبالتالي حرمانه لها من القرب فعل غاية في الانانية ويثير التساؤل بحق (تحرمني منك ليه؟).. أهل الحب صحيح مساكين!

أتذكر نظرة السكون والسكينة في عيني ذلك الفنان الذي التقيته منذ عدة أيام لأول مرة كنما كنت اتمني في طريفة تشعرني بالخوف أيضا، لكن هذه المرة أخاف من أمنياتي لعلها تتحقق! يدعّي أن صوته ليس جيداً فأود الصراخ في وجهه أنه أحمق فصوته يثير الشجن والحماس والوجع خاصة اذا التقت الكلمات بالصدق.. ذلك الاكسير السحري الذي يجبر بني البشر على التعاطف والوصال بصورة قد لا يدركها الكثيرون منهم.. يتحدث ليلتها عن حبيبته التي فارقها فصارا يستمعان لأغانيهما المفضلة لكن كل منهما في طريق منفصل يدور بهما ويلتف دون العودة الى نقطة البداية حيث شرارة الحب الأولى والساعات الطويلة التي لا تشعر القدمان فيهما بالتعب مهما طال الطريق ومهما كانت الخطوات كثيرة !
يسمي حبيبته باسم المدينة دون التعريض باسم فتاته في مظهر رجولي ونبيل او هكذا فسره عقلي المائل للمثاليات.

أمر بهذا المطعم الذي وعدت الصبي الذي أحببت ذات يوم أن أدعوه للغداء مقابل شرط ما لم أعد اتذكره او لنقل تناسيته عمداً، فأشعر بحنين غامض.

أتعجب من جميع هذه الافكار التي تصدر من فتاة تحمل حقيبة تؤلم ظهرها الخالي من أي عضلات فتضطر لحمل الحقيبة كالأوكورديون الذي أحبت أن تتصور نفسها به في عالم موازي وهي تقص حكايتها على رواد مقهى هاديء في باريس ليس بالكلمات هذه المرة لكن بالموسيقى.

عناق أبدي

                                    مائة وخمسون يومًا قد مروا. فهل تمكن العشاق من التوقف عن العناق؟ هل استطاعت الأمهات الاستغناء عن رائحة أب...