"عليّ أن أتخفف من هذا الوزن الزائد الذي صار يثقل ظهري وينهكني بنهاية كل يوم" أهمس لنفسي بهذا كل ليلة ما إن أدخل غرفتي وألقي بحقيبتي على الأرض مطلقة صيحة تنم عن الراحة فحينها فقط أشعر بقدر من التحرر.
أتخذ قراراً بالتخلي عن بعض الأشياء التي تسكن حقيبتي، هل يمكنني الاستغناء عن الحلوى الماضغة التي صرت أدمنها وأكاد أجن إن خلت حقيبتي منها فأبحث عنها بغوغائية مدمن انخفض المخدر في دمه فصار ملتاعاً وخائفاً؟ لا أظن أن بمقدوري العيش بدون هذا المخدر الماضغ.
ذات يوم نزفت أنفي بغزارة أغرقت جميع المناشف الورقية التي كنت أحملها على الدوام فتأكدت أنه من المستحيل التخلي عنها وإلا فكيف سأجفف دموعي إن اضطررت يوماً للبكاء علانية إذا ما منعني موظف القطار من العبور لنسياني لون التذكرة التي يتعين على استخدامها فاخترت عشوائياَ آخر التذاكر القابعة في محفظتي.
تقهرني القاهرة يومياَ بدلالها وقسوتها وسطوتها فلا أملك سوى محاربتها بالموسيقى التي تحملني لعوالم أخرى من خلال سماعتي الوردية، هل سأتحمل أصوات أبواق السيارات ونداءات الباعة الجائلين وإلحاح الشحاذين؟ تخيفني الفكرة فأعيد السماعة بداخل الحقيبة لتصطدم يدي بميدالية المفاتيح التي تزن بضعة جرامات لكنها تقرر مصيري إن نسيتها ذات صباح فلا أتمكن من دخول مقر عملي فيضيع يومي ولن يفيد حينها المزاج الجيد الذي منحني إياه هذا الكتاب أو ذاك. أعلم أن الكتب تزن أكثر من ميدالية صغيرة لكن أنَى لي أن أستغني عن رفيق طريق ككتاب شيق؟ يمكنني تحمل هذا الوزن بطيب خاطر. ماذا لو تخليت عن زجاجة المياه التي تزعم أن سعتها 750 مللي بينما لا تتجاوز ال500 مللي؟ أستحزن الطبيعة الأم إذا استبدلتها بزجاجة بلاستيكية أخف وزناً؟
تجاوزت الخامسة والعشرون من عمري وبعد عبوري هذا الحاجز الزمني اكتشفت أنه عليَ أن أهتم ببشرتي بترطيبها وحمايتها من الشمس واستخدام مستحضر مقاوم للتجاعيد..هذا أمر سخيف للغاية فلم تمر سوى بضعة أشهر منذ تخلصت من حب الشباب حتى يفاجئني خطر التجاعيد! متي يمكنني التمتع ببشرة جيدة دون ضرورة استخدام مستحضر ما؟..على أية حال لن تفيد هذه السفسطة العبثية فلن أجازف بالمغامرة وسأتحمل وزن مرطب الشفاه والواقي من آشعة الشمس.
تأخر المساء وأحتاج للنوم كي أستيقظ مبكراَ لحضور واحد من تلك الاجتماعات التي سأضطر فيها للابتسام رغماً عني. ها أنا أتذكر أن أضع ابتسامتي بجوار بطاقة شخصية تحوي بيانات لا تصفني بالضرورة تجاورها بطاقة تعريفية تخص منصبي بالعمل الذي اشعر أنه لا يمت بصلة لجوهري الأصيل -أو هكذا أعتقد-. تنتفخ هذه المحفظة المسكينة ببطاقات لاشخاص عديدين جمعني بهم العمل في مواقف مختلفة وربما لن نلتقي مرة اخرى. أتسائل ماذا لو كان وزن هؤلاء الأشخاص هو ما يُثقل الحقيبة!
ماذا عن دفتري الذي صرت أحمله على الدوام فتتراقص فيه الكلمات الأسطورية التي لا أدري لها مصدراً مع الصفحات الفارغة التي تثير بداخلي رغبة ملًحة أن أملؤها يوماً ما بالحكايا التي تسكنني؟
غلبني النعاس واستيقظت متأخرة بعض الشيء فحملت حقيبتي بما تحوي من اغراض لكنني شعرت بأنها أخف وزناً هذا الصباح فاكتشفت أنني نسيت دفتري.
