اليوم هوالأخير من حياة هذا العالم. أو على الأقل كما نعرفه. أعلن
المسئولون إخلاء مسئولياتهم وتركوا جميع مناصبهم التي ضحوا من أجلها بالكثير. لم
يعرفوا أن التضحية قد تمتلك معان أخرى تفوق المناصب والأموال وفراهة العيش.
أعلن كل رئيس أن مواطني دولته عليهم الاستعداد للموت والصلاة. شروق اليوم
الجديد سيحدد مستقبل هذا العالم. ليت الأمر كحكم بابا نويل على من سيحصل على الهدايا
ومن لا. جميعنا كنا سيئين بصورة ما. تبقى على الشروق حوالي 16 ساعة وبعدها ستتضح
كل الأمور لذا كانت الفرصة سانحة لشيء واحد فقط. التسوق.
ذهبت إلى المركز التجاري الكبير الموجود في أحد أرقى الأحياء وأخذت معي
مبلغًا كافيًا. لم آخذ كل ما امتلكت من أموال فمن يعلم ماذا يحمله الشروق الجديد
ذاك؟
الحياة هنا تستمر بصورة عادية باختلاف بعض التفاصيل. مثلًا حراس البوابات يتأكدون
من درجة حرارة الزائرين قبل الدخول بجهاز يفوق الثيرمومتر الزئبقي تطورًا. هناك
فتاة طويلة أعلن الجهاز ارتفاع حرارتها بمقدر ضئيل فأخبرها الحارس أن تنتظر قليلًا
كي يعيد قياس حرارتها، عدلت من وضع شعرها البني المناسب لطولها وانتظرت دورًا
جديدًا. كانت حرارتها هذه المرة أقل، فابتسمت لحارس الأمن ودخلت عبر بوابة
التفتيش. يبدو أن الجهاز أصابه عطب ما لطولها او لجمالها!
بالداخل تنتشر اللافتات التي تحث الزوار على ارتداء الكمامات طيلة فترة
التسوق وأن يستخدموا الكحول كلما لامسوا نقودًا أو بضائع ما. بجاب كل لافتة عبوة كحول
للاستخدام العام لكل هل فكر أحد في تطهيرها أم أن الوباء لا يصيب عبوات الكحول ؟
بالطبع الكمامات هنا تُعامل معاملة الزي المدرسي الذي يكرهه الطلاب، يحترمه
الملتزمون بينما المتمردون يمسكونه في أيديهم أو يعلقونه على آذانهم فيتأرجح
مع الهواء المنبعث من المكيفات. آخرون يستخدمونه
لحماية رقابهم أو أذقانهم، لا يهم طالما أنه بقرب الأنف والفم، على أية حال سينتهي
هذا الرجل من احتساء قهوته كي يعيد ارتداء الكمامة فوق الفم المشبع بالكافيين.
وستنتهي هذه المرأة من أكل الحلوى مع صديقتها كي تعيد وضع كمامتها على الناحية الأخرى
لها تجنبًا للتلوث بالطبع، لكن هل أدركت أن الناحية القديمة قد احتلتها بقعة كبيرة
من أحمر الشفاه القاني؟
يناديني أحد باعة العطور الذين يعجز المرء عن إحراجهم بلهجتهم السورية
الناعمة فيخبرني أن جربي هذا العطر الجديد. لكنني ارتدي كمامتي ولن أتمكن من شم
العطر. لا يهم أنزليها قليلًا وها انا سأرتدي كمامتي كي نلزم القوانين. رائحة
جميلة لكنني لا امتلك مالًا كافيًا والعطور ليست على قائمة تسوقي لليوم. يسارع
بخلع كمامته ويبتسم (سلاح آخر بجانب اللهجة) لكن هناك عرض بمناسبة نهاية العالم
ولن يتكرر الأيام المقبلة. أشكره وأبتسم انا ايضًا (من خلف الكمامة) وامضي في
طريقي. أصل إلى متجر الأغذية الملحق بالمركز التجاري فأجده مزدحمًا للغاية. يبدو
ان العالم الآخر يخلو من الجبن واللبن والزيت! إذًا عليّ شراء مكونات العشاء
الأخير من المتجر المجاور للمنزل. ماذا علّى ان أعد؟ هل يكفي عشاءًا عاديًا كوجبة
اخيرة؟ لا، عليه أن يكون عشاءًا استثنائًيا. ربما نطلب البيتزا، لكل منا بيتزا
خاصة به، لا داع لقسمة بيتزا واحدة هذه الليلة. أرتاح لهذا القرار فليس عليّ
التسوق للطعام وسط هذا الزحام.
أقرر الذهاب إلى المتجر الخاص بالأثاث والديكورات المنزلية. احتجت بالفعل
لنهاية العالم كي أنفق جل أموالي في هذه المتاهة المليئة بالمعروضات والأضواء.
أتذكر المرة الأولى التي اكتشف فيها أحد إخوتي أنهم لم يطبعوا الأسهم المنتشرة على
الأرض لكنهم رسموها باستخدام الضوء. ياللعبقرية!
ماذا عليّ ان أشتري؟ الوسائد؟ بالطبع فمن يدري حال وسائد العالم الآخر؟ يشيعون
أنها مصنوعة من القش.
بعض الزهريات الزجاجية؟ ليست ضرورية فلا وجود لورود على ما أعتقد في الجانب
الآخر للعالم، لكنها بسعر مخفض. فلأشتري اثنتين.
كؤؤس ملونة؟ بالطبع سأحتاجها وإلا فكيف سنشرب العصير مع العشاء؟
دفاتر جديدة؟ هذا ما أحتاجه فقد قررت قضاء الليلة في كتابة كل ما أعرفه عن
هذا العالم لربما يكون مفيدًا لأحد. هل خمس دفاتر كافية؟ أظن هذا.
تفوح رائحة التوت البري بمجرد أن انحرفت يمينًا. شموع ملونة وعطرة. اعتقدت
دومًا أن أحد أسباب الحرائق هو رومانسية هذه الشموع. لكن العالم ينتهي على أي حال،
لا ضير من قليل المجازفة. عشر شموع بروائح عدة في عربة التسوق، ولزيادة الأمان
وضعت حاملين زجاجين كي تذوب الشموع فيهما دون التسبب في حريق.
صناديق خشبية بسعر مخفض؟ أوه إنها قابلة للثني أيضًا ويوجد منها لون
أرجواني. أخيرًا وجدت حلًا لأحذيتي المتناثرة في جميع أنحاء المنزل.
ينادون في مكبر الصوت أنه: "على السادة زوار المتجر التوجه لخزائن
الدفع فالمتجر سيغلق بعد عشر دقائق. شكرًا لتعاونكم" فأتوجه لخزينة الدفع وأبتسم
للبائع (من وراء الكمامة ايضًا) وأحمل ما اشتريت في نشوة غامرة.
أنتهي من إعداد العشاء لشخصين ولا أنسى استخدام الكؤؤس الجديدة بالطبع. وأحمل
دفاتري نحو الشرفة وأشعل بعض الشموع وأنتظر الشروق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق