الأربعاء، 30 سبتمبر 2015

وشوشة


تتسارع دقات قلبى ..ألهث محاولة الحصول على مزيد من الهواء ..أشعر بالاختناق ..أفكر بأمى ..اتمنى فقط وجودها  واشعر بلمستها على وجنتى تشعرنى ان كل شيء سيصبح بخير ولكن هذا لا يحدث ..تمضى الأيام مسرعة وكل يوم يحمل معه جزءا من روحى تلك الروح التى أصابها الرهق فأرهقتنى معها و ترفض أن تكون عونا لى و تستمر فى اغاظتى وكأنه لا تنتمى لذلك الجسد الغض الصغير الذى لا يشغل من مساحة الكون سوى مترا ونصف المتر على الأكثر ..أود الصراخ فلا أتمكن من ذلك..أبكى فتوجعنى عيناى وكأن الدموع متحجرة من فرط كتمانها .. وعن الوهم ..تعلمت أنه لا يجب أن نجعل شاطئا واحدا لأحلامنا ..لا يوجد شاطىء يستوعب ما يمكن فينا من ألم وفرحة و وجع ..ذلك الذى شارف أن يصيبنى بالموت ..أيمكن ان نكون موتى أحياء ؟ وما الموت سوى انفصال الروح عن الجسد و فقد الرغبة فى الحياة .. أتعلمين يا أمى ان الكوابيس صارت كثيرة تلك الأيام والاحلام أيضا ولكن لم أركِ بعد فى أى من تلك الأحلام ..أما آن لنا أن نلتقى ؟ أما آن ان تمدى لى يديكى الحانيتين وتنصتين لدقات قلبى و تفهمين ما ألّم بى وما يؤلمنى لأبكى على كتفكِ واتحرر من قبضة ذلك الخوف الذى يأكل من عمرى كما تأكل النار فى الهشيم ..ذلك العمر الذى يمضى ما بين أشياء ننتظرها ولا تحدث واشياء تحدث دون حسبان و قضايا معلقة و أمور لا تنتهى سوى بأمرِ منّا  ونحن فقدنا القدرة على إعطاء الأوامر بل وفقدنا الرغبة ..أتظنين أن وحدتنا تلك قد تنتهى يوما ما ؟ أخبرينى انه نعم ستنتهى وسأحاول تصديقك ..أعنى اننى فقدت الايمان بكل شىء ..فقدت الايمان بالحب و بالوصل وبالراحة الابدية و بالاستئناس   باحد و بالكتابة و بشفاء الروح و أشد ما أخشاه أن افقد الايمان بكِ.. 

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2015

عمود وحيد

محطة قطار معتمة غادرها التيار مبكرا بسبب غارة جوية لعدو ما .. وفتاة ارتدت فستانها المفضل بعد ان رتقه له والدها قبل ان ينهار منزلهم بعدة ساعات مخلفا وراءه أما ثكلى و زوجة أرملة توشحت بالسواد قبل حينه ..ولكن للحزن حين كى يأذن الحضور قبله ؟؟ وحده وقف صامدا .. عمود الانارة الطويل فى الميدان الفسيح الذى كان يوما عامرا بكافة انواع المحال و مختلف الاشخاص من كل حدب وصوب. كان عامل النظافة يضيئه قبل الغروب ليغرى تلك الفتاة الصغيرة كى تترك يد والدتها و تركض لتمثل مشهدا رأته فى السينما فأعجبها و تمنت لو يصير حقيقة فمثلته وكانت هى جميع ابطاله .. أمنعها واقع انها خرساء عن الحديث ام انها كانت نعمة مخفية فلم تسمع دوى القنابل التى انهالت يوميا من قبل المحتلين دون اعتبار لهدنة او قرار.. فكانت تتخيل فقط اصوات العصافير و رقرقة المياه فى البئر الملازم لدارها ..ولكن اكثر ما وددت ان تسمعه هو صوت أمها .. تخيلته كهمس الملائكة و عزف الكمان الذى امكنها تخيله ايضا.. لم تكن بارعة الجمال ولكن بشرتها كانت بلون الحليب الصافى .. و قوامها كان ممشوقا كنخيل قريتها .. ونظرة عيونها الضيقة كانت تحمل قدرا ليس بالضئيل من  الحزن والتحدى و الوجع الخفى الذى ما شعرت به يوما الا انه كان ملازما لروحها.. تلك الروح الندية التى تشبه صباحات قريتها المعطرة بندى ازهار اللافندر التى كانت تجد طريقها للبقاء رغم كل الظروف الغير محتملة .. كانت حاسة الشم لديها قوية ولاحقا صارت تلك نقمة اكتشفتها بعدما افاقت من اثر قنابل الغاز المسيلة للدموع.. كانت تلك اول مرة تفقد فيها الوعى.. رأت ما يشيه الطيور كبيرة الحجم تحملها على جناح واحد لتطوف بها العالم الذى لم تعرف هى عنه سوى ما استذكرته فى مدرستها قبل ان تتحول لملجأ ومشفى ميدانى لعلاج المصابين .. كان شعورا يشبه الهلوسة رغم عدم فهمها له فى بادئ الأمر.. انما استهواها واستلب عقلها فصارت تتمنى ان تفقد وعيها مرارا وتكرارا.. كم كان عمرها ؟ درست عاما فى المدرسة ثم توفقت عن الذهاب خارج حدود بيتها عدة اعوام ثم اشتدت الحرب عاما ونصف العام ثم انهار منزلها قبيل عيد ميلادها العاشر بعدة ايام .. عشرة سنوات من عمرها لم تر فيهن سوى معان مختلفة للدمار واختبرت معان لا حصر لها من الفقد و تخيلت انها ماتت فوق العشر مرات ولكنها مازالت حية تجلس وحيدة فى انتظار القطار العائد الى قريتها كى تكمل يوما اخر من حياة بائسة لا بهجة فيها سوى عمود الانارة 
الصامد فى ميدان كان يوما مأهولا بالحياة كما تحلو لها ان تكون.


الثلاثاء، 8 سبتمبر 2015

9-9


ست سنوات ونحن نتراقص فى الشهر مرة أو مرتين أو اكثر عندما يكون الحظ فى جانبى ..6 سنوات وهى تواصل انقاذى فى كل مرة أكون فيها على حافة الهاوية ..6 سنوات و جعبتها تمتلىء بكثير من الحكايا عنى وعن حياتى ..6 سنوات و هى صديقتى الأثيرة التى يؤلمنى ابتعادها أشد الألم وفى قربها أجد روحى و تلتمع عيناى ..6 سنوات و أنا أعيش معها حياة خفية لا يعلم عنها أحد ..تشاركنى أحلامى ..فرحتى ..خوفى..ألمى ووجعى ..6 سنوات وهى تفاجأنى فى كل مرة بشىء جديد لم أعلمه عن نفسى .. 6 سنوات وهى جانبى ولكن على بعد خطوة منى تقترب حينا وتبتعد حينا ..6 سنوات والكتابة فى حياتى نعم السند والراحة للروح المنهكة دوما .. 

أذكرنى وأنا أبكى فى مثل ذلك اليوم من 6 سنوات بكاءا لم أحس به من قبل ..بكيت كثيرا قبل ذلك اليوم ولكن تلك المرة كانت تمثل لى أول لقاء بالوجع .. ذلك الوجع الذى يسكنك فتحس بتصاعد انفاسك الى السماء فتأتى كملاكِ حارس من حيث لا أدرى ومنذ ذلك الحين وعلاقتنا تنمو و تتعمق كروحين امتزجا ..نتباعد كثيرا ولكن عند لقائنا نعود الى بهجة المرة الأولى بكل الشغف و الانبهار و التفانى كما لو لم نغادر بعضا البعض أبدا ..6 سنوات مضت ومازالت الكتابة حلما بعيدا وواقعا قريبا ...كل عامِ وأنت رفيقتى 

الخميس، 3 سبتمبر 2015

وهم الملاك




اجلسى فى المكان الذى تحبين ..أتحبين القهوة ؟
-- نعم ..ثلاث ملاعق سكر اذا سمحتى
- تبدين نضرة أكثر من ذى قبل هل حدث جديد ؟
-- لا.. قد يكون تأثير مستحضر التجميل الجديد..مازالت الحياة بنفس وتيرتها المعتادة ولكنه ذلك الغريب ..
-ممم يبدو الأمر مشوقا .. أهو زميل عمل ؟
-- تركت العمل وتفرغت للكتابة .. 
- حدثينى عن غريبك هذا ..
-- لا أدرى ..يبدو أنه يتتبعنى حيثما حللت ..كلما التفتت بعينى احسست بطيفه 
- أرايتيه من قبل
-- لا ..يجيد التخفى بشكل خارق ولكن أظن اننى سمعته من قبل وهو يملى طلبه للنادل ..صوته يذكرنى بوالدى ..حاسم ولكنه حنون بطريقة غامضة
-أيثيرك هذا الغموض ؟
-- لا يمكننى التكهن ماعاد يمككنى الشعور ..أسبق أن قابلتى هذه الحالة فى عيادتك هنا ؟
- بالطبع ... ولكن الاسباب تختلف بعضها بسبب النكران والاخر بسبب التقلبات المزاجية اليومية ..والبعض الاخر بسبب تناول ذاك المخدر او ذاك الدواء 
-- لا اسبابى لا تنتمى لتلك اللائحة ..الأمر اننى صرت أشعر كما لو كنت مسكونة 
- ربما من أثر الرواية التى تستحوذ على كيانك حاليا ..تتلبسين شخصياتها فتهرب شخصيتك الأصلية 
-- وربما ولكن أتعلمين عندما يحملك بالون بعيدا عن أرضك الى الفضاء الواسع دون أن تلمس قدميك الأرض ودون ان تتشبثى بأى شخص ..تكون أنتِ بذاتك فى داخل هذا البالون بلا صوت و لا رائحة  ولا إحساس ..أتدرين معنى ألا تشعرى بأى سخط أو عشق أو خوف او ترقب ..لا شىء ..فقط فراغ يكتنف روحكِ دون استئذان 
- أأنتِ واثقة انك ما عدتِ تشعرين بأى من هذه الأشياء ؟ أعنى بعض المواقف تستدعى مشاعرنا بصورة غامضة .. أخبرتنى من قبل عن حبك غير المشروط للملائكة الصغار -كما تسميهم- الأطفال
-- نعم تذكرت مشهدا الاسبوع الماضى عندما كنت أتنزه هربا من فكرة الانتحار التى ساورتنى عدة مرات فى الآونة الماضية ..رأيت تلك الصغيرة التائهة ..كانت تبكى بشدة فأخذتها فى حضنى وشعرت برعشة تسرى فى جسدى وكأنى أمسكت بذاتى متلبسة بجريمة ..كنت أشعر نحوها بحب جارف ماعدت أشعر به منذ وقت ليس بالقصير .. اشتريت لها بعض الحلوى وراقبتها وهى تتتناولها بنهم محاولة الابتسام بدلال وخجل من تلك الغريبة التى جلست أمامها تتأملها مبتسمة بدورها بغرابة غير مبررة ..سمعت صوتا ينادى "صوفيا ..أين أنتِ ؟" ووجدت الفتاة تهرب منى تاركة الحلوى و ملقية بجسدها بين ذراعى والدتها الملهوفة  دمعت عيناى ثم وجدتها تعود أدراجها عائدة نحوى بسرعة مقبلة إياى على وجنتى 
- بم شعرتِ حينها ؟
-- بالحياة 
- حسنا تلك بداية طيبة .ولكن للأسف جلستنا قد انتهت ..أراكِ فى المرة القادمة لا تنسى تناول الدواء 


خرجت مسرعة لاأدرى لقدماى وجهة معينة حتى وصلت الى مقهاى المفضل وهناك لمحته ..وحيدا ممسكا بجريدته و رافعا شعره الامامى بنظارته الشمسية ..وعندما التقت عينانا ..توهجت عينيه ببطريقة جعلتنى أومىء برأسى له كأنه صديق قديم ..وهو بدوره ابتسم لى كأننا زميلي سفر فى رحلة ما 
جلست على طاولتى المعتادة و طلبت شايا كى يناسب تقلب مزاجى بعد زيارة الطبيبة .. بعد عدة دقائق وجدت النادل يضع على طاولتى كوبا من عصير التوت الطازج ..ونظرت باتجاه هذا الغريب فوجدته يشير لى بكأسه .. همست ان "شكرا"" فهمس أنه " عربون صداقة " .. وددت الضحك لكون أسلوبه مغاليا فى الكلاسيكية .. أنهيت العصير و الشاى وهممت بالذهاب الى المنزل فوجدته يقف أمامى منحنيا كمن أدى رقصة استعراضية " اتسمحين لى بمرافقتكِ حيثُ شئتِ؟" تعجبت من جراته وفكرت "لمَ لا ؟ لا تبدو شريرا على أية حال" ..ابتسم ..وهنا لأتوقف عند تلك الابتسامة التى تشبه الربيع فى بدايته والخريف فى هدوئه و الصيف فى ظله والشتاء فى الدفأ النادر لبعض لياليه ..
- حسنا أظن أنه يجب ان نتحدث 
-- عماذا ؟
- ربما عن زرقة عينيكِ الصافيتين 
-- لا يعكسان صفاءا داخليا من اى نوع لو تعلم 
- لا يهم ..يشبهان السماء 
-- اذا كان للحديث بد فاخبرنى أتتعقبنى ؟ أتريد قتلى أو شئ من هذا القبيل ؟
- أيمكن للملائكة أن تُقتل؟
-- و مغازل قديمٌ أيضا ؟
- لاتسيئى الظن بى 
-- ها قد وصلنا 
- اذا هو الوداع سيدتى ..
-- هكذا بدون أن اعرف اسمك ؟
- فيم تهم الأسماء طالما تواصلت الأرواح ؟
-- فيلسوف انت 
- وداعا أيها الملاك

عدت مسرعة الى بيتى و استلقيت على سريرى وتساءلت أكان هذا الساحر وهما أم حقيقة يكافئنى القدر بها ؟

عناق أبدي

                                    مائة وخمسون يومًا قد مروا. فهل تمكن العشاق من التوقف عن العناق؟ هل استطاعت الأمهات الاستغناء عن رائحة أب...