الخميس، 3 سبتمبر 2015

وهم الملاك




اجلسى فى المكان الذى تحبين ..أتحبين القهوة ؟
-- نعم ..ثلاث ملاعق سكر اذا سمحتى
- تبدين نضرة أكثر من ذى قبل هل حدث جديد ؟
-- لا.. قد يكون تأثير مستحضر التجميل الجديد..مازالت الحياة بنفس وتيرتها المعتادة ولكنه ذلك الغريب ..
-ممم يبدو الأمر مشوقا .. أهو زميل عمل ؟
-- تركت العمل وتفرغت للكتابة .. 
- حدثينى عن غريبك هذا ..
-- لا أدرى ..يبدو أنه يتتبعنى حيثما حللت ..كلما التفتت بعينى احسست بطيفه 
- أرايتيه من قبل
-- لا ..يجيد التخفى بشكل خارق ولكن أظن اننى سمعته من قبل وهو يملى طلبه للنادل ..صوته يذكرنى بوالدى ..حاسم ولكنه حنون بطريقة غامضة
-أيثيرك هذا الغموض ؟
-- لا يمكننى التكهن ماعاد يمككنى الشعور ..أسبق أن قابلتى هذه الحالة فى عيادتك هنا ؟
- بالطبع ... ولكن الاسباب تختلف بعضها بسبب النكران والاخر بسبب التقلبات المزاجية اليومية ..والبعض الاخر بسبب تناول ذاك المخدر او ذاك الدواء 
-- لا اسبابى لا تنتمى لتلك اللائحة ..الأمر اننى صرت أشعر كما لو كنت مسكونة 
- ربما من أثر الرواية التى تستحوذ على كيانك حاليا ..تتلبسين شخصياتها فتهرب شخصيتك الأصلية 
-- وربما ولكن أتعلمين عندما يحملك بالون بعيدا عن أرضك الى الفضاء الواسع دون أن تلمس قدميك الأرض ودون ان تتشبثى بأى شخص ..تكون أنتِ بذاتك فى داخل هذا البالون بلا صوت و لا رائحة  ولا إحساس ..أتدرين معنى ألا تشعرى بأى سخط أو عشق أو خوف او ترقب ..لا شىء ..فقط فراغ يكتنف روحكِ دون استئذان 
- أأنتِ واثقة انك ما عدتِ تشعرين بأى من هذه الأشياء ؟ أعنى بعض المواقف تستدعى مشاعرنا بصورة غامضة .. أخبرتنى من قبل عن حبك غير المشروط للملائكة الصغار -كما تسميهم- الأطفال
-- نعم تذكرت مشهدا الاسبوع الماضى عندما كنت أتنزه هربا من فكرة الانتحار التى ساورتنى عدة مرات فى الآونة الماضية ..رأيت تلك الصغيرة التائهة ..كانت تبكى بشدة فأخذتها فى حضنى وشعرت برعشة تسرى فى جسدى وكأنى أمسكت بذاتى متلبسة بجريمة ..كنت أشعر نحوها بحب جارف ماعدت أشعر به منذ وقت ليس بالقصير .. اشتريت لها بعض الحلوى وراقبتها وهى تتتناولها بنهم محاولة الابتسام بدلال وخجل من تلك الغريبة التى جلست أمامها تتأملها مبتسمة بدورها بغرابة غير مبررة ..سمعت صوتا ينادى "صوفيا ..أين أنتِ ؟" ووجدت الفتاة تهرب منى تاركة الحلوى و ملقية بجسدها بين ذراعى والدتها الملهوفة  دمعت عيناى ثم وجدتها تعود أدراجها عائدة نحوى بسرعة مقبلة إياى على وجنتى 
- بم شعرتِ حينها ؟
-- بالحياة 
- حسنا تلك بداية طيبة .ولكن للأسف جلستنا قد انتهت ..أراكِ فى المرة القادمة لا تنسى تناول الدواء 


خرجت مسرعة لاأدرى لقدماى وجهة معينة حتى وصلت الى مقهاى المفضل وهناك لمحته ..وحيدا ممسكا بجريدته و رافعا شعره الامامى بنظارته الشمسية ..وعندما التقت عينانا ..توهجت عينيه ببطريقة جعلتنى أومىء برأسى له كأنه صديق قديم ..وهو بدوره ابتسم لى كأننا زميلي سفر فى رحلة ما 
جلست على طاولتى المعتادة و طلبت شايا كى يناسب تقلب مزاجى بعد زيارة الطبيبة .. بعد عدة دقائق وجدت النادل يضع على طاولتى كوبا من عصير التوت الطازج ..ونظرت باتجاه هذا الغريب فوجدته يشير لى بكأسه .. همست ان "شكرا"" فهمس أنه " عربون صداقة " .. وددت الضحك لكون أسلوبه مغاليا فى الكلاسيكية .. أنهيت العصير و الشاى وهممت بالذهاب الى المنزل فوجدته يقف أمامى منحنيا كمن أدى رقصة استعراضية " اتسمحين لى بمرافقتكِ حيثُ شئتِ؟" تعجبت من جراته وفكرت "لمَ لا ؟ لا تبدو شريرا على أية حال" ..ابتسم ..وهنا لأتوقف عند تلك الابتسامة التى تشبه الربيع فى بدايته والخريف فى هدوئه و الصيف فى ظله والشتاء فى الدفأ النادر لبعض لياليه ..
- حسنا أظن أنه يجب ان نتحدث 
-- عماذا ؟
- ربما عن زرقة عينيكِ الصافيتين 
-- لا يعكسان صفاءا داخليا من اى نوع لو تعلم 
- لا يهم ..يشبهان السماء 
-- اذا كان للحديث بد فاخبرنى أتتعقبنى ؟ أتريد قتلى أو شئ من هذا القبيل ؟
- أيمكن للملائكة أن تُقتل؟
-- و مغازل قديمٌ أيضا ؟
- لاتسيئى الظن بى 
-- ها قد وصلنا 
- اذا هو الوداع سيدتى ..
-- هكذا بدون أن اعرف اسمك ؟
- فيم تهم الأسماء طالما تواصلت الأرواح ؟
-- فيلسوف انت 
- وداعا أيها الملاك

عدت مسرعة الى بيتى و استلقيت على سريرى وتساءلت أكان هذا الساحر وهما أم حقيقة يكافئنى القدر بها ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عناق أبدي

                                    مائة وخمسون يومًا قد مروا. فهل تمكن العشاق من التوقف عن العناق؟ هل استطاعت الأمهات الاستغناء عن رائحة أب...