الثلاثاء، 15 سبتمبر 2015

عمود وحيد

محطة قطار معتمة غادرها التيار مبكرا بسبب غارة جوية لعدو ما .. وفتاة ارتدت فستانها المفضل بعد ان رتقه له والدها قبل ان ينهار منزلهم بعدة ساعات مخلفا وراءه أما ثكلى و زوجة أرملة توشحت بالسواد قبل حينه ..ولكن للحزن حين كى يأذن الحضور قبله ؟؟ وحده وقف صامدا .. عمود الانارة الطويل فى الميدان الفسيح الذى كان يوما عامرا بكافة انواع المحال و مختلف الاشخاص من كل حدب وصوب. كان عامل النظافة يضيئه قبل الغروب ليغرى تلك الفتاة الصغيرة كى تترك يد والدتها و تركض لتمثل مشهدا رأته فى السينما فأعجبها و تمنت لو يصير حقيقة فمثلته وكانت هى جميع ابطاله .. أمنعها واقع انها خرساء عن الحديث ام انها كانت نعمة مخفية فلم تسمع دوى القنابل التى انهالت يوميا من قبل المحتلين دون اعتبار لهدنة او قرار.. فكانت تتخيل فقط اصوات العصافير و رقرقة المياه فى البئر الملازم لدارها ..ولكن اكثر ما وددت ان تسمعه هو صوت أمها .. تخيلته كهمس الملائكة و عزف الكمان الذى امكنها تخيله ايضا.. لم تكن بارعة الجمال ولكن بشرتها كانت بلون الحليب الصافى .. و قوامها كان ممشوقا كنخيل قريتها .. ونظرة عيونها الضيقة كانت تحمل قدرا ليس بالضئيل من  الحزن والتحدى و الوجع الخفى الذى ما شعرت به يوما الا انه كان ملازما لروحها.. تلك الروح الندية التى تشبه صباحات قريتها المعطرة بندى ازهار اللافندر التى كانت تجد طريقها للبقاء رغم كل الظروف الغير محتملة .. كانت حاسة الشم لديها قوية ولاحقا صارت تلك نقمة اكتشفتها بعدما افاقت من اثر قنابل الغاز المسيلة للدموع.. كانت تلك اول مرة تفقد فيها الوعى.. رأت ما يشيه الطيور كبيرة الحجم تحملها على جناح واحد لتطوف بها العالم الذى لم تعرف هى عنه سوى ما استذكرته فى مدرستها قبل ان تتحول لملجأ ومشفى ميدانى لعلاج المصابين .. كان شعورا يشبه الهلوسة رغم عدم فهمها له فى بادئ الأمر.. انما استهواها واستلب عقلها فصارت تتمنى ان تفقد وعيها مرارا وتكرارا.. كم كان عمرها ؟ درست عاما فى المدرسة ثم توفقت عن الذهاب خارج حدود بيتها عدة اعوام ثم اشتدت الحرب عاما ونصف العام ثم انهار منزلها قبيل عيد ميلادها العاشر بعدة ايام .. عشرة سنوات من عمرها لم تر فيهن سوى معان مختلفة للدمار واختبرت معان لا حصر لها من الفقد و تخيلت انها ماتت فوق العشر مرات ولكنها مازالت حية تجلس وحيدة فى انتظار القطار العائد الى قريتها كى تكمل يوما اخر من حياة بائسة لا بهجة فيها سوى عمود الانارة 
الصامد فى ميدان كان يوما مأهولا بالحياة كما تحلو لها ان تكون.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عناق أبدي

                                    مائة وخمسون يومًا قد مروا. فهل تمكن العشاق من التوقف عن العناق؟ هل استطاعت الأمهات الاستغناء عن رائحة أب...