..فى اليوم الثانى قابل تلك الأم الحزينة ..ذات الرداء البنفسجى وهى تقطف الزهور بالقرب من غابة القرية لتذهب وتبيعها فى سوق المدينة .. أعجبه رداءها المرصع باشكال الزهور ولفت نظره فجلس يراقبها وهى تجمع زهور الأوركيديا والزنبق والياسمين وطفلتها
الصغيرة تلهو بجوارها الى ان اقتربت الشمس من الذهاب لملاذها وتغرب وتودع العالم بقبلة أخيرة كتلك القبلة التى وضعتها " فيروز " على جبين ابنتها الحلوة الروح " مريومة" وهى تودعها مساءا ..ثم كعادتها تجلس مساءا لتقرا رواية او تكتب واحدة او تجهز عناقيد الزهور الحمراء و باقات اللوتس التى ستتراقص غدا فى مهرجان المدينة فى النهر احتفالا بيوم الطبيعة التى تغدق خيراتها على كل بنى ادم .. وقد تعد اقواسا من الزهور لتعبر خلالها عربات الخيل التى تٌقل هذه العروس أو تلك الى بيتها الأبدى حيث الراحة والسكينة اكتمالا بنصفها الاخر ..كانت فيروز تؤمن ان كل زهرة لها شخصيتها المتفردة والخاصة بها ..وأن الزهور تتحدث بلغة خاصة تتجاوز الروح و تجعلها تسير فى افاق لم تدر بوجودها .. كانت أمها هى من علمتها كيف تتحدث بلغة الزهور وكيف تفهمها ومنذ ذلك الوقت وهى تحترف افناء روحها فى روح الزهور ..
كان اليوم مشمسا فى اشارة الى بدء فصل الصيف بعد شتاء كان دافئا حينا وباردا حينا .. تمتعت فيه مريومة بصنع رجل الثلج لأول مرة فى حياتها التى لم تتجاوز الستة اعوام .. عندها كانت فرحتها غامرة لدرجة لا توصف ..وأسمته اسما لم تتمكن فيروز من تذكره عندما كانت تسجل لحظات الفرحة تلك فى دفتر يومياتها ..استيقظت مريومة وأيقظت فيروز التى ما ان اشتمت رائحة القهوة من بيت جارتهن حتى تذكرت "عزيز" الذى مضى فى أسفاره حول العالم ليبحث عن روحه التائهة وربما صار صوفيا الان ويحترف التضرع و العشق فى كيان المعبود ..كانت قهوته ذات طعم رائع وحديثه معها اثناء اعداد قهوتهما وصمته اثناء احتساءهما اياها كانت طقوس تجعل بداية اليوم افضل .. منذ سفر "عزيز" و فيروز تعتنى بمريومة بأقصى طاقتها و تحاول ان تكون لها رفيقة و حبيبة و أما و عائلة بأكملها ..
خرجت لتلهو وانشغلت عنها فيروز باعداد الاحتفال السنوى بيوم الطبيعة فمضت ترتب الزهور و العناقيد والاقواس و الباقات وذهبت الى المدينة وظنت أن مريومة تلهو غير بعيد عن المنزل و ستنتهى وتذهب لجدتها كما العادة ..مر اليوم وعادت فيروز الى البيت ولم تجد مريومة والتفاصيل التى تبعت ذلك لم تعد مهمة ..حيث مرت عدة شهور الى ان اكتملت السنة ومنذ ذلك الحين وقد ذبلت الزهور وانطفأت روح فيروز فصارت كأم ثكلى مات ابنها الجندى فى الحرب فلم تتمكن سوى من احياء ذكراه كل يوم باعداد الفطور له وكأنه معها ولم يغادرها قط ..

أما هو فقد رأى ان الدقة الثانية ستعيد حياة تلك الأم الحزينة الى مجراها وربما تذهب للبحث عن مريومة لتجدها قد صارت زهرة أو تناثرت حديقة ذات حياة من نوع اخر ..ولكنها صارت جنية تحرس الغابة بازهارها ..
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق