وحدها الأماكن تعرف من نحن بحق، وحدها تمتلك ذاكرة تعصى على النسيان.. تقف شامخة على مر الأزمنة دون أن تبدو لنا أنها
تتغير لكنها تختزن جميع الأحداث كبردية طال عمرها فاحتوت تاريخاً يفوق قدرتها..
هنا رأيتك أول مرة والتفتت إلي فرأيت عالماً لم يكن لي علم بوجوده أو ربما رفضت التصديق بوجوده.
هنا ركضت محاولة الهرب من افكار تسكنني وتأبى إلا أن تسيطرعلىّ فكنت أتحرر من قبضتها مع كل خطوة يضرب بها أقدامي سطح الأرض.
هنا كتبت أول قرابيني في محراب الهوى ولم يكن القربان كافياً فمزقت القصيدة ولم أتحمل عناء البكاء.
هنا ذرفت الدموع أمام مارة لم يجمعني بهم سوى مصادفة مرورهم في طريقي ذات ليلة لم يحضرها القمر.
هنا احتسيت القهوة وحدي وأغرقت فنجاني بقطع السكر كي أتمكن من ارتشافها وحينها أدركت أنني لن أعود إلى تلك الفتاة التي كنت.
هنا شعرت برهاب الاحتجاز داخل روحي رغم اتساع المكان وامتلاؤه بسبل الراحة المختلفة لكن أنّى للروح أن تهنأ سوى تحت سماء تشربت بزرقة صافية.
هنا جلست لأقرأ فانتابني النعاس فحلمت بأنني على شاطيء تسكنه حوريات البحر المسحورات فأصبنني بلعنتهن فلم أستيقظ و صار هناك عالمي.
هناك اكتشفت سحر الأحرف وقدرتها على الشفاء، كان الأمر مثيراً بادىء الأمر اذ أنه كيف يمكن لصغير الحروف ان يتشكل دون وعي تام ليكون كلمات تزيح الأعباء عن صدري وتثلجه في لحظات معدودة؟ من أين تاتي تلك الأصوات التي تهمس بحكايا و حوادث لم أشهدها لكنني اراها كما لو كنت عايشتها ذات حياة؟ ما سر تلك الغصة التي تصيب حلقي اذا ما شعرت بثقل الكلمات وهي تنحبس بين ضلوعي غير قادرة على الحياة على سطح الورق كما سمكات صغيرة تلفظ آخر أنفاسها؟ كيف اصبحت الورقة البيضاء تندرج في قائمة مخاوفي إذا ما وددت الكتابة ووجدت شياطين الكتابة مشغولون عنّي بكاتب آخر أو في رواية لا فصل ليها فيها ولا باب؟
هناك حاولت مراراً الهرب من الكتابة عنك رغم أنني أعلم أن الكلمات ستتدفق دون مجهود منّي طالما تحتويك بين ثناياها. أعلم أنك تعتبرني مصابة بالجنون لِما احتوته رسائلي من لعنات صببتها عليك متبعوعة بقسم أنني لن أراسلك بعد اليوم لكن هأنذا أحنث بهذا القسم ضاربة بكل لعناتي عرض الحائط. كانت عيناك مشرقتين بوهج أعلمه جيداً. أنت واقع في الحب حتى النخاع! لا تحاول الإنكار فقسمات وجهك تخبر بكل شيء. عيناك تقول أنها فارعة الطول ذات ابتسامة صافية كنبع ضحكتك الذي لا ينضب، حديثك المتسارع يشي بنبضات قلبك الذي لا يستطيع الهدوء كلما تذكرت أنها هناك في مكان ما تفكر فيك فيحاول الفكاك من قيد صدرك ليذهب إليها، ، ،رأسك المرفوعة باعتداد محارب عاد للتو من معركة حُسمت نتيجتها لصالح جيشه فعاد متوشحاً راية النصر ،كيف لك أن تنكر وصوتك المتراقص في حنو يفضح حروف اسمها حرفاً حرفاً؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق